العهد الجديد للطريقة القادرية البودشيشية في ظل مشيخة مولاي منير القادري بودشيش
العهد الجديد للطريقة القادرية البودشيشية في ظل مشيخة مولاي منير القادري بودشيش

بعد مرور أكثر من ستة أشهر على انتقال الشيخ سيدي جمال الدين القادري البودشيشي إلى جوار ربه، برزت ملامح مرحلة جديدة داخل الطريقة القادرية البودشيشية، عنوانها الاستمرارية والثبات، في ظل مشيخة الشيخ الدكتور مولاي منير القادري البودشيشي. وقد عكست هذه المرحلة، منذ بدايتها، مستوى واضحًا من التماسك المؤسسي والانسجام الروحي، تجسد في التفاف واسع للمريدين والمريدات حول شيخهم، واستمرارهم في التعلق بزواياهم، وشدّ الرحال إلى الزاوية الأم بمداغ، وتجديد العهد على نهج التربية والسلوك.

كما اتسمت هذه المرحلة بتجدد مظاهر الوحدة الداخلية للطريقة، من خلال مواقف وبيانات موحدة صدرت في عدد من المدن، وأكدت في مجملها تشبث المريدين والمريدات بالمرجعية الروحية والتربوية للطريقة، وحرصهم على صيانة وحدتها والوفاء لنهج شيوخها، في إطار من الانضباط والسكينة والوعي الجماعي.
وعلى المستوى الروحي والميداني، عرفت هذه الفترة دينامية لافتة، حيث تم تنظيم ما يزيد عن سبعين أمسية دينية للسماع والمديح النبوي خلال شهر رمضان المبارك، توزعت على مختلف جهات المملكة، إلى جانب إحياء ليالٍ كبرى بالزاوية الأم بمداغ، حضرها الآلاف من المريدين والمريدات، في مشاهد عكست عمق الارتباط الروحي واستمرار الوفاء لوصايا الشيخين سيدي حمزة القادري البودشيشي وسيدي جمال الدين القادري البودشيشي رحمهما الله.

ومن أبرز المحطات التي ميزت هذه المرحلة، إحياء ذكرى الأربعين للشيخ سيدي جمال الدين القادري البودشيشي رحمه الله، ثم إحياء الذكرى التاسعة لانتقال الشيخ سيدي حمزة القادري البودشيشي، والتي شكلت ليلة جامعة كبرى يوم 24 يناير 2026، بحضور واسع للمريدين والمريدات. كما شهدت الفترة نفسها تنظيم ليالٍ روحية ووطنية كبرى، من بينها ليلة إحياء ذكرى مرور خمسين سنة على المسيرة الخضراء، بما حملته من دلالات وطنية جامعة، فضلًا عن إحياء ليلة السابع والعشرين من رمضان، وليلة كبرى بمدينة المحمدية احتفاءً بمرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، في أجواء طبعتها الروحانية والخشوع وكثافة الحضور.
ولم يقتصر هذا الحضور على الزاوية الأم، بل امتد إلى مختلف الأقاليم والجهات، من خلال تنظيم ليالٍ جهوية جامعة ساهمت في توطيد أواصر الصحبة، وترسيخ معاني الأخوة الروحية، وتعزيز التواصل بين المريدين والمريدات في إطار تنظيمي محكم.
وفي السياق نفسه، عرفت الطريقة القادرية البودشيشية في هذه المرحلة إشعاعًا متجددًا، تجلى في انفتاح أوسع على المجتمع عبر البرامج الروحية والثقافية، وفي تعزيز حضورها في الفضاءات العمومية بما جعل رسالتها التربوية أكثر قربًا من مختلف الفئات، ورسخ ما عُرفت به من دعوة إلى الاعتدال والوسطية والتربية على القيم.

كما اتسمت هذه المرحلة بحضور دولي متواصل للشيخ الدكتور مولاي منير القادري البودشيشي، من خلال مشاركاته في عدد من اللقاءات والتظاهرات الروحية والثقافية خارج أرض الوطن، خاصة في بلجيكا وفرنسا، وهو ما أسهم في تعزيز الإشعاع الدولي للطريقة، وتوسيع حضورها في مجالات الحوار الروحي والثقافي، والتعريف بقيمها القائمة على التسامح والاعتدال والانفتاح.
وتكشف مختلف المؤشرات المرتبطة بهذه المرحلة أن الطريقة القادرية البودشيشية دخلت، في ظل مشيخة الشيخ مولاي منير القادري البودشيشي، طورًا جديدًا عنوانه الاستمرارية الواثقة، والوفاء للمرجعية، وحسن تنزيل وصايا المشايخ في الواقع العملي والتنظيمي. كما يتبين أن ما أثير من جدل عبر بعض المنابر الإعلامية لم يتجاوز في جوهره حدود التشويش العابر، دون أن يترك أثرًا فعليًا في البنية الداخلية للطريقة أو في مسارها العام.
لقد عبّر المريدون والمريدات، من خلال الحضور الميداني والانخراط العملي، عن إجماع واضح في اتجاه مواصلة السير على نهج مشايخهم، وتنزيل وصية سيدي حمزة وسيدي جمال في بعدها التربوي والروحي والتنظيمي، بما يكرس استمرارية العهد ويحفظ وحدة الصف ويؤكد ارتباط الطريقة بثوابتها الدينية والوطنية، في ظل إمارة المؤمنين.
