<

كلمة السيد أحمد رضى شامي، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المناظرة الوطنية الأولى حول موضوع:”المرأة والأسرة ورهان التنمية”

0

الرباط، 10 فبراير 2023

  • السيدة وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة؛
  • السيدات والسادة، كلٌّ باسمه وصفته؛
  • أيها الحضور الكريم

أَوَدُّ في البِداية أنْ أُعْرِبَ لَكُمْ عنْ سعادتي بالحضور معكم اليوم في هذا اللقاء حول موضوع:”المرأة والأسرة ورهان التنمية”. وبهذه المناسبة، أتَوَجَّه إلى السيدة الوزيرة  بأصْدَقِ عبارات الشُّكْرِ والامْتِنانِ على إشراك  المَجلسِ الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في هذا الورش التفكيري والتأطيري الذي يَشْمَلُ المرأة والأسرة والمجتمع المغربي ككل.

حضرات السيدات والسادة،

كما تعلمون، لا يمكن لأي بلد أن يَطمحَ إلى تحقيق التنمية إذا كان نِصفُ قِوَاهُ الحية يعاني من الإِقصاء، وكانت إحدى ركائز الأسرة، بوصفها النواة الأساسية لأي مجتمع، تتعرض للتهميش.

طبعا، إن الأمر يتعلق بوضعية المرأة المغربية التي لا تتبوَّأُ بَعْدُ المكانةَ اللائقةَ بها في مختلِف مناحي الحياة  الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

لقَدْ أحْرَزَت بلادُنا مِنْ دُونِ شَكٍّ تَقَدُّماً هامّاً في ترسيخِ مَكانَة المَرأةِ في مجتمعنا، من خلال:

  • إصلاحِ مُدَوّنَة الأسْرة في سنة 2004؛
  • مُراجعَةِ العديدِ من النصوص التشريعية، كالقانونِ الجِنائي ومدونةِ الشُّغلِ وقانونِ الجِنسيَّةِ؛
  • تمكينِ المرأةِ منْ ولوجِ بعض المِهَنِ التي كانت حِكْراً على الرجل (العدول، الوقاية المدنية، الشرطة، إلخ)؛
  • العمل، على مستوى الانتخابات التشريعية والجماعية، على اتخاذ تدابيرَ إرادِيَّةٍ للتمييزِ الإيجابي تَرُومُ تَعزيزَ التمثيليةِ السياسيةِ للنساء.

لكنْ، لابُدَّ أنْ نُسَجِّلَ أنَّه ما زالَ هُناكَ الكَثيرُ مِمَّا يتعيَّنُ القيامُ به لتحسين وضعية النساء في المغرب، وقد خصص المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في هذا الشأن عدة تقارير وآراء،  منها خاصة:

  • المساواة بين النساء والرجال في عدد من التقارير، على المستوى المعياري (2012)، على مستوى الحياة الاقتصادية (2014)، وعلى مستوى الأبعاد الاجتماعية ( 2016)؛
  • رأي المجلس حول مشروع القانون المتعلق بهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، سنة 2016؛
  • –       “ما العمل أمامَ اسْتمرار تزويج الطّفْلات بالمغرب؟​”، سنة 2019؛
  • القضاء على العنف ضد الفتيات والنساء كاستعجال وطني، سنة 2020؛
  • نقط يقظة في سنتي 2021 و2022 حول المساواة والتمييز الإيجابي  وتحقيق الازدهار الذاتي لفائدة النساء، ورصد التحرش الجنسي في الوسطين المهني والجامعي، ومراجعة مدونة الأسرة، التي أطلقها في السنوات الأخيرة.

والجدير بالذكر أن المجلس يواصل رصده لأوضاع المرأة بالمغرب، وتطور المكتسبات المُحققة والتحديات التي مازالت مطروحة في هذا الصدد من خلال تقاريره السنوية حول الحالة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لبلادنا.

هذا، وبمبادرة من السيدة الوزيرة التي تفضلت مشكورةً بإشراك المجلس في التحضير لهذا اللقاء، تم إطلاقُ استشارةٍ مواطنة حول “مشاركة المرأة في التنمية”، عَبر المنصة الرقمية “أُشارِك” (oucharikou.ma) التي أصبح يستعملُها المجلسُ بكيفيةٍ مُمنهَجَةٍ منذُ أكثر مِن سنة للإنصات إلى آراء وتصورات المواطنات والمواطنين في مختلف المواضيع التي يشتغل عليها.

وقد أثار موضوعُ هذه الاستشارة اهتماماً كبيراً في أوساط العديد من المواطنات والمواطنين الذين شاركوا فيها بكثافة (بلغ مجموع التفاعلات مع الموضوع 143.239 تفاعلا، منها 1302 إجابة على أسئلة الاستبيان). وحَسْبَ ما يَتَّضح من نتائج الاستبيان، فإن عدد النساء المشارِكات يفوق ( 75%)، وهو مؤشرٌ جِدُّ قوي على ما توليه النساء من اهتمام بموضوع الاستشارة. وينتمي غالبية المشاركات والمشاركين حسب بيانات هذه الاستشارة إلى الساكنة النشيطة في الوسط الحضري ( 91%)، وخاصة  في  جهتي الرباط-سلا-القنيطرة (28 %)، والدارالبيضاء-سطات (26%).

وتجدر الإشارة إلى أن الخلاصات النابعة من هذه الاستشارة تعكس تمثلات وتصورات وانتظارات المشاركات والمشاركين حول الإشكاليات المتعلقة برهان المرأة والأسرة في التنمية، موضوع هذا اللقاء. ومن أهم هذه الخلاصات، التي سنقدمها لكم في وثيقة تركيبية مفصلة لاحقا، ما يلي:

  • فيما يخص المساواة بين الرجل والمرأة، يرى ما يَقْرُبُ من 71 في المائة من المشاركات والمشاركين أن العَقَبةَ الرئيسيةَ التي تحول دون تحقيقها تَكْمُنُ في العقليات والأفكار الاجتماعية والثقافية السائدة، تَلِيهَا “الهشاشة الاقتصادية للمرأة” (54 %)، فضلاً عن “تدنِّي مستوى تمثيل المرأة في مناصب المسؤولية” (49 %)، إلى جانب “الإطار القانوني” (38 %) وبخصوص العقبات الرئيسية التي تحول دون تمكين المرأة اقتصادياً، يضع أغلبيةُ المشاركين (71 في المائة) في الصدارة استمرارَ هيمنةِ العقلية الذكورية في التعامل مع المرأة، ويأتي بعدَها في المرتبة الثانية ما تُعانيه المرأة من مختلِف أشكال التمييز في الوسط المهني (51 %)، إلى جانب صعوبات الحصول على التعليم والتكوين (43 %)، فضلاً عن الالتزامات والأعباء المنزلية (42 %)، والمخاطر التي تهدد سلامة المرأة في أماكن العمل وفي طريقها إليها  (36 %).
  • ويأتي في صدارة أشكال العنف ضد المرأة في المجتمع المغربي، بحسب آراء المشاركات والمشاركين، العنف اللفظي أو التصرفات/ الحركات غير اللائقة (63 %)، يليها التحرش الجنسي (61 %). وبالنسبة لحوالَيْ نصف المشاركات والمشاركين، فإن الفضاءات التي تتعرض فيها النساء أكثرَ لمظاهر العنف تَشْمَلُ المنزلَ والأماكن العمومية ومواقع التواصل الاجتماعي والعالم الافتراضي عموما، إلى جانب وسائل النقل وأماكن العمل.
  • وبالنسبة لمجالات العمل التي يرى المشاركات والمشاركون ضرورةَ إِيلائها عنايةً خاصة لتمكين المرأة من المشاركة بشكل كامل في التنمية، يأتي في صدارتِها مكافحةُ الصور النمطية التي تَحُطُّ من مكانة المرأة في المجتمع (71 في المائة )، يَلِيهَا التمكينُ الاقتصادي والمالي للمرأة (63 في المائة )، وتعزيز الإطار القانوني والمؤسساتي الجدير بتفعيل مبدأ المساواة بين المرأة والرجل (59 في المائة)، إضافةً إلى تعزيز شروط  سلامة المرأة في المنزل وفي الفضاءات العامة وفي أماكن العمل (58 في المائة من الآراء).

وختاماً، فإنَّه من الواضح أنَّ العوامل الثقافية تشكل عائقاً رئيسياً يَعترض طريقَ تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة، ويَحُولُ دُونَ تمكين المرأة، حسب تمثلات وتصورات المشاركين نساء ورجالاً. وهو ما يؤكد التشخيصات  والملاحظات التي ما فتئ يُحيل إليها المجلس في تقاريره وآرائه بناء على جلسات الإنصات مع مختلف الفاعلين والاستشارات المواطنة التي سبق إطلاقُها في السابق حول قضايا النهوض بالمرأة وإدماجها في التنمية.

وفي هذا الصدد، فإن المجلس يشدد على أنه لا يمكن إحراز أي تقدم دون رفع القيود والحواجز الثقافية التي تُعيق مسار النهوض بوضعية المرأة، ذلك أن بناء مجتمع حداثي ودامِجٍ ودينامي يقتضي العمل بكل قوة على التصدي للصور النمطية، والتي غالباً ما تكون مُهِينَةً وحَاطَّةً من كرامة المرأة وتُكرِّس صورةً سلبية عنها.

وإنَّ تحريرَ المرأة يَمُرُّ بالضرورة عبر كسْر ما يسمى بـ”السقف الزجاجي” (plafond de verre)، والذي يتمثَّل في مجموعِ الحواجز النفسية والمجتمعية والمهنية التي تميل إلى إبقاء المرأة في وضعية الجمود وتكريسِ دُونِيَتِهَا وتَبَعِيَتِهَا.

وهذا يَدفعُنَا جميعًا، كُلٌّ مِن مَوْقِعِه، إلى التحلي بالجرأة والطموح اللازم من أجل اقتراح إجراءات ملموسة تُمَكّـِنُ النساء مِنَ الولوج إلى النشاط الاقتصادي ومِنَ المُشَارَكَةِ الفاعِلَةِ في دينامية التنمية في بلادنا.

حضرات السيدات والسادة،

يقترحُ المجلسُ في مختلف التقارير والآراء التي أدلى بها مجموعة من التوصيات بشأن التحولات التي يَتَعَيَّنُ القيامُ بها للنهوض بالمساواة بين النساء والرجال، وتحقيق التمكين الاقتصادي للنساء.

أولاً، تحولات ذات طابع مؤسساتي وقانوني. وفي هذا الصدد، ينبغي العمل على ما يلي:

  • تسريع وتيرة ملاءمة التشريعات الوطنية مع المقتضيات الدستورية والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة، وإلغاء جميع المقتضيات التمييزية ضد النساء والفتيات؛
  • اعتماد آليات تحفيزية لتشجيع نشاط النساء (النظام الجبائي، والدعم…)، مع العمل على تخصيص نسبة لا تَقِلُّ عن 30 في المائة من مناصب المسؤولية في جميع مستوياتها للنساء؛
  • جَعْلُ الحصولِ على جزء من الدعم العمومي المخصص للأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات مشروطاً بتحقيق نسبةٍ تمثيليةٍ لا تقل عن 30 في المائة من النساء داخل أجهزتها التنفيذية.

ثانياً، تحولاتٌ ذات طابع إجرائي ترمي إلى توفير شروطِ ولوج النساء إلى العمل المُؤَدَّى عنه، وتوفير الحماية لَهُنَّ في طريقهن إلى أماكن العمل وداخلَها. ولتحقيق هذا الهدف، ينبغي العمل على:

  • تعزيز الجهود الرامية إلى فتح دُورِ حضانةٍ عمومية أو داخل المقاولات في جميع تراب المملكة؛
  • وضع تدابير مؤقتة تَكُون فعالةً وإيجابيةً ومحددةَ الهدف للتمييز الإيجابي لصالح المرأة، غايتُها ضمان المناصفة في الولوج إلى مناصب المسؤولية في الوظيفة العمومية؛
  • اعتماد مرونة أكبر في اللجوء إلى أنماط العمل الجديدة داخل المقاولات (العمل عن بُعد، العمل بدوام جُزئي (travail à mi-temps)، المرونة في ساعات العمل، وغير ذلك)؛ 
  • تعزيز الإطار القانوني الخاص بمحاربة التحرش المعنوي والجنسي ضد المرأة في الفضاء العام وفي أماكن العمل؛
  • وضع سلامة النساء في وسائل النقل العمومي وفي الفضاء العام في صُلْبِ سياسات المدينة، وسياسات السلامة العمومية، وتصاميم التهيئة الحضرية وبرامج السكن.

وتجدر الإشارة إلى أن إنجاح هذه التدابير المؤسساتية والقانونية والإجرائية تقتضي النهـوض بالنقـاش العمومـي مـن أجـل تطويـر العقليـات، وترســيخ مبــادئ المســاواة بيــن النســاء والرجــال لــدى الأطفال، وتصحيــح الصــور النمطيــة التمييزيــة والمشــجعة على العنف ضد النساء، وذلك من خلال محتويات بيداغوجية ( الكتاب المدرسي مثلا)،  ومحتويات إعلامية متناسبة مع الفئات العمرية المُســتهدفة.

هذه، إذن، بعض مداخل التطوير والإصلاح التي يوصي بها  المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والتي نأمل أن يتم تفعيلُها في إطار التشريعات والسياسات العمومية ذات الصلة.

شكراً على حسن إصغائكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.