قرار عامل إقليم آسفي يكرس مبدأ المساواة أمام القانون ويحسم الجدل المفتعل
قرار عامل إقليم آسفي يكرس مبدأ المساواة أمام القانون ويحسم الجدل المفتعل

يُكرّس قرار عامل إقليم آسفي، في ملف مصنع “سيتيجي”، منطق دولة الحق والقانون ويضع حداً لمحاولات تقديم الامتثال القانوني على أنه خيار قابل للتفاوض. فالنقاش الذي أُثير حول هذا القرار لا يعكس في كثير من جوانبه قراءة قانونية دقيقة، بقدر ما يعكس رغبة في تكييف القواعد حسب المصالح، وهو أمر يتعارض مع أسس الحكامة الجيدة.
ويؤكد هذا القرار أن تطبيق القانون لا يخضع لمنطق الانتقائية، ولا يمكن أن يُعطل تحت أي مبرر، حتى وإن تعلق الأمر بوحدة صناعية توفر مناصب شغل. فالتنمية الاقتصادية الحقيقية لا تقوم على تجاوز القوانين، بل على احترامها، لأن أي تساهل في هذا الباب يخلق بيئة غير متوازنة ويُضعف ثقة الفاعلين الاقتصاديين في المؤسسات.
ويُبرز الجدل القائم محاولة خلط غير بريء بين طبيعة المخالفة وحجم المشروع، وكأن القوانين تُفصّل حسب وزن المستثمر أو تأثيره. والحال أن قوانين التعمير واضحة في هذا الباب، حيث تُخضع كل أشغال البناء أو التوسعة لترخيص مسبق، بغض النظر عن كونها داخلية أو خارجية، إنتاجية أو غير ذلك. وبالتالي، فإن توصيف المخالفة لا يمكن أن يتم وفق تقديرات ظرفية، بل وفق نصوص قانونية صريحة.
ويكشف طرح “المرونة” في هذا السياق عن فهم ملتبس لدور الإدارة، لأن المرونة لا تعني التغاضي عن المخالفات، بل تعني حسن تطبيق القانون في إطاره الصحيح. أما تحويلها إلى مدخل للضغط أو الالتفاف، فهو ما يؤدي إلى الفوضى التي عانت منها العديد من المجالات سابقاً.
ويُسجل في المقابل أن لجوء إدارة المصنع إلى القضاء الإداري يُعد ممارسة سليمة تؤكد الاحتكام إلى المؤسسات، وهو ما يُفترض أن يُطمئن الجميع إلى أن النزاع يسير في قنواته القانونية الطبيعية. غير أن هذا المسار لا يُسقط عن القرار الإداري مشروعيته، بل يضعه تحت رقابة القضاء، الذي يبقى الجهة الوحيدة المخول لها الحسم.
ويردّ هذا القرار أيضاً بشكل غير مباشر على الخطاب الذي يحاول تصوير السلطة الترابية كعائق أمام الاستثمار، حيث يثبت أن الاستثمار الجاد لا يمكن أن يقوم إلا في بيئة يسودها الوضوح والإنصاف. فالمستثمر الذي يحترم القانون لن يتضرر من تطبيقه، بل سيستفيد من مناخ تنافسي عادل.
ويضع ما يجري بآسفي الجميع أمام حقيقة واضحة: إما ترسيخ ثقافة احترام القانون كقاعدة ثابتة، أو الاستمرار في منطق الاستثناء الذي يقوض الثقة ويُضعف المؤسسات. وفي هذا الإطار، فإن صرامة القرار ليست تعسفاً، بل ضرورة لضبط التوازن بين متطلبات التنمية واحترام الضوابط القانونية.
ويخلص هذا النقاش إلى أن الدفاع عن قرار عامل إقليم آسفي هو في جوهره دفاع عن مبدأ المساواة أمام القانون، وعن فكرة أن التنمية لا يمكن أن تُبنى على تجاوز القواعد، بل على احترامها. لأن أي مسار آخر لن يؤدي إلا إلى إضعاف الثقة في المؤسسات، وهي الخسارة الأكبر التي لا يمكن تعويضها.