<

حكامة المسار الديمقراطي المغربي: قراءة في ترتيبات الاستحقاق التشريعي لـ 23 شتنبر 2026

0

حكامة المسار الديمقراطي المغربي: قراءة في ترتيبات الاستحقاق التشريعي لـ 23 شتنبر 2026

 

 

مقدمة تأطيرية: المفاهيم، السياقات، والرهانات
تندرج الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 بالمملكة المغربية في سياق وطني ودولي بالغ الدقة، يتسم بضرورة تعميق الانتقال الديمقراطي وتحصين الاختيار الدستوري اللا رجعي للدولة المغربية. وتتجاوز هذه المحطة كونها مجرد آلية دورية لتجديد النخب البرلمانية، لتصبح تمريناً سيادياً يهدف إلى تعزيز “الحكامة الانتخابية” (Electoral Governance) وترسيخ مفهوم “الأمن الانتخابي” كركيزة للاستقرار السياسي والتنمية المستدامة.
سياقياً، تأتي هذه الاستحقاقات في ظل تطلعات مجتمعية متزايدة لبلورة مخرجات النموذج التنموي الجديد، وتنزيل جيل جديد من الإصلاحات الهيكلية التي تقتضي تمثيلية ديمقراطية ذات كفاءة تشريعية ورقابية عالية. ومن هنا، يبرز مفهوم “العدالة الانتخابية” بوصفه مدخلاً أساسياً لضمان تكافؤ الفرص، والحياد الإيجابي للإدارة، وصدقية صناديق الاقتراع.
تعتمد هذه الورقة التحليلية على مقاربة سوسيولوجية ومؤسساتية جديدة تتقاطع مع أدوات التحليل القانوني الدستوري والتحليل السياسي المقارن. وترتكز أدوات التحليل على:
1. تفكيك النصوص القانونية والإجرائية المنظمة للعملية الانتخابية.
2. تحليل ديناميات الفاعلين (الدولة، الأحزاب، والناخبين).
3. التحليل الاستشرافي (Prospective Analysis) لرصد السيناريوهات الممكنة وتأثير الهندسة التنظيمية الحالية على جودة التمثيلية الديمقراطية.
تتوزع هذه الدراسة الأكاديمية على ثلاثة محاور متكاملة يمهد كل منها للآخر؛ حيث يتناول المحور الأول الهندسة القانونية والمؤسساتية لضمانات النزاهة من خلال قراءة في التفعيل المشترك للجنة تتبع الانتخابات بين الإدارة والقضاء كآلية لتحصين الصدق الانتخابي. وينتقل المحور الثاني لفحص البعد العصراني والمالي للاستحقاق عبر تفكيك فلسفة منصات الترشيح الرقمية وعقلنة الدعم العمومي الموجه للحملات. بينما يغوص المحور الثالث في سوسيولوجيا المشاركة والمنهجية التشاركية عبر تتبع دينامية تنقية اللوائح وبناء التوافقات القبلية. وتتوج هذه المحاور بخاتمة تركيبية تقدم حزمة من التوصيات الاستراتيجية الكفيلة بالارتقاء بالعدالة الانتخابية.
المحور الأول: الهندسة القانونية والمؤسساتية وضمانات النزاهة الانتخابية
يستلزم تفكيك البنية التنظيمية لانتخابات 23 شتنبر 2026 الوقوف عند الإطار المؤسساتي الذي يحكم نزاهة العملية الانتخابية في مختلف مراحلها، وهو الإطار الذي يزاوج بين الضبط الإداري والرقابة القضائية لإنتاج عملية انتخابية محصنة من الناحية الدستورية والقانونية.

 

الهيكل التنظيمي للجنة تتبع الانتخابات

 

┌────────────────┴────────────────┐

▼                                                     ▼

المستوى المركزي                              الامتداد الترابي

وزير الداخلية                           لجان جهوية (الوالي والوكيل العام)

رئيس النيابة العامة                     لجان إقليمية (العامل ووكيل الملك)

 

يمثل تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات بموجب الأمر الملكي السامي، وبتشكيلتها الثنائية التي تضم وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، تجلياً واضحاً لمفهوم “الإشراف القضائي الإداري المشترك”. ومن الناحية القانونية الدستورية، ينقل هذا الإجراء الإشراف على الانتخابات من الأحادية الإدارية لوزارة الداخلية إلى حياض الشراكة مع السلطة القضائية المستقلة ممثلة في رئاسة النيابة العامة.
إن تمديد هذه الهيكلية ترابياً عبر لجان جهوية (تضم الولاة والوكلاء العامين للملك) ولجان إقليمية (تضم العمال ووكلاء الملك) يحقق الأهداف الدستورية والسياسية التالية:
1. دستورياً: تفعيل مقتضيات الفصل 11 من الدستور الذي ينص على صدق العمليات الانتخابية وحياد السلطات العمومية.
2. قانونياً: منح اللجان الإقليمية والجهوية فاعلية التدخل الزجري الفوري في مواجهة الجرائم الانتخابية (كالارتشاء، واستعمال النفوذ، والتمويلات المشبوهة) بفضل الوجود العضوي لممثلي النيابة العامة في هذه اللجان.
3. سياسياً: بث رسائل طمأنة قوية للفاعلين الحزبيين والناخبين بوجود رقابة متبادلة صارمة تمنع انحياز الإدارة الترابية لأي طرف.
خلاصة
تتجاوز هذه الهندسة الرقابية الثنائية منطق الترتيبات الإجرائية الكلاسيكية لتؤسس لنموذج ‘الحصانة المؤسساتية المتبادلة’ بين جناحي الإدارة والعدالة. إن إقحام النيابة العامة ترابياً وعضوياً في لجان التتبع لا يكتفي برفع كلفة الانحراف القانوني إلى حدوده القصوى فحسب، بل يساهم بنيوياً في تجفيف منابع التشكيك القبلي في حياد الإدارة الترابية؛ وبذلك تتحول النزاهة الانتخابية من مجرد التزام سياسي مرن إلى ‘معيار دستوري مضبوط قضائياً’ يمنح المخرجات الانتخابية مشروعية قانونية مطلقة لا تقبل الطعن.

المحور الثاني: الرقمنة والتدبير المالي كآليات لعقلنة السلوك الانتخابي
تتطلب عصرنة المرفق العام الانتخابي إدماج أدوات الرقمنة والشفافية المالية كآليات حاسمة في عقلنة المسارات الإجرائية وضبط تمويل الأحزاب، وهو ما يسهم مباشرة في تخليق الحياة السياسية والانتخابية. وفي هذا السياق، تتجلى “عقلنة السلوك الانتخابي إجرائياً” في إقرار مسطرة جديدة تقضي بإيداع التصريحات بالترشيح عبر منصة إلكترونية مخصصة، مع الاحتفاظ بإلزامية إيداع أصول الملفات مادياً لدى السلطات المختصة. ويمكن تحليل هذا التحول الإجرائي عبر زاويتين:
أولاً: الحكامة الرقمية وقصر الآجال
يقلص الإيداع الإلكتروني الهامش البيروقراطي، ويمنع التلاعب بالتواريخ والآجال، كما يسهل عملية تتبع المترشحين وسيرفرات استقبال المعطيات، مما يوفر بيئة شفافة وموحدة لمعالجة الترشيحات وطنيا.
ثانياً: التوازن القانوني التوثيقي
إن اشتراط تقديم الملف المادي موازاة مع الرقمي يحافظ على القيمة الثبوتية والقانونية لملفات الترشيح، ويمنع نشوء نزاعات حول عيوب البرمجيات أو الانقطاعات الرقمية أمام المحاكم الإدارية والمجلس الدستوري.
ثالثا: كبح جماح “المال السياسي الفاسد
من جانب آخر، يكتسي تنظيم مساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية أهمية بالغة في كبح جماح “المال السياسي الفاسد”. فالقوانين التنظيمية الحالية، الخاضعة لمراقبة المجلس الأعلى للحسابات، تسعى إلى عقلنة الانفاق الانتخابي وإقرار مساواة نسبية بين الهيئات الحزبية بناءً على حضورها وتمثيليتها، مما يساهم في إخراج العملية الانتخابية من دائرة “الاستثمار المالي الفردي” إلى دائرة “التنافس البرنامجي المؤسساتي”.
خلاصة
تساهم الرقمنة الإجرائية والمراقبة المالية الصارمة في تضييق الخناق على الاقتصاد غير المهيكل للانتخابات، وتدفع بالهيئات السياسية نحو احترافية تدبيرية تليق باستحقاق دستوري وطني.
إن التلازم الوظيفي بين رقمنة مساطر الترشيح والصرامة المحاسبية لمساهمات الدولة يمثل تفكيكاً تدريجياً لـ ‘الاقتصاد السياسي غير الرسمي للعملية الانتخابية’ فالمنصة الإلكترونية وتدابير التدقيق المالي لا تهدفان إلى تيسير اللوجستيك فحسب، بل تفرضان ‘عقلنة قسرية’ على البنى الحزبية، دافعةً بالعملية الانتخابية بعيداً عن منطق ‘الاستثمار المالي الفردي والوجاهة المحلية’، ونحو فضاء ‘المطابقة القانونية والتنافس البرنامجي المهيكل’، مما يعزز مأسسة الأحزاب ويحميها من الاختراق المالي.

المحور الثالث: المقاربة التشاركية وسوسيولوجيا المشاركة السياسية

لا تكتمل شروط الحكامة الانتخابية بوجود ترسانة قانونية صارمة فقط، بل تستلزم تفاعلاً سوسيولوجياً ونقاشاً سياسياً تشاركياً بين الدولة والفاعلين السياسيين لبناء توافقات متينة تضمن استقرار الساحة الوطنية طيلة أطوار الاستحقاق.

وفي هذا الإطار، يجسد اللقاءين المشتركين اللذين عقدهما وزير الداخلية مع قادة الأحزاب السياسية ما يُعرف سياسياً بـ “منهجية التوافق التاريخي” التي ميزت الحقل السياسي المغربي منذ تسعينيات القرن الماضي. سوسيولوجياً، تنعكس هذه المقاربة التشاركية على مستويات عدة:

  1. إضفاء المشروعية القبلية: إن إشراك الأحزاب في صياغة ومناقشة تفاصيل مراجعة اللوائح الانتخابية (التي جرت بين 15 ماي و10 يوليوز 2026) يسحب فتيل التشكيك القبلي في نزاهة القوائم الانتخابية وصحتها.
  2. تنقية البيئة الانتخابية سوسيولوجياً: تطهير اللوائح الانتخابية يمثل تحديثاً حاسماً لتحديد الخريطة الحقيقية للكتلة الناخبة النشطة، ويفكك ظاهرة “الأصوات الشبحية” التي كانت تؤثر سلباً على نسب المشاركة السياسية الحقيقية.
  3. تحدي الإدماج وتعبئة الشباب: تواجه الأحزاب السياسية تحدياً بنيوياً في ترجمة هذه الحصيلة التقنية للوائح إلى طاقة تعبوية تقنع الفئات الشابة بالمشاركة النشطة، متجاوزة الهوة التقليدية بين جيل الشباب والعمل الحزبي المنظم.

خلاصة

تكشف دينامية اللقاءات التشاورية وتطهير اللوائح الانتخابية عن استمرار الدولة في تبني نهج التوافقات الكبرى كصمام أمان سياسي لامتصاص الأزمات القبلية، غير أن هذه الترتيبات تضع الهيئات الحزبية أمام مأزق سوسيولوجي بنيوي؛ فالتوافق الإجرائي في القمة لا يضمن بالضرورة التعبئة السياسية في القاعدة.

في هذا السياق، إن جسر الفجوة بين التقنية (تنقية اللوائح) والسوسيولوجيا (العزوف الانتخابي، خاصة لدى الشباب) يظل الاختبار الحقيقي الذي سيكشف مدى قدرة النخب السياسية على الانتقال من أدوار ‘التلقي البيروقراطي’ لترتيبات الدولة إلى أدوار ‘الوساطة التعبوية الفعالة’ في أوساط القوى الحية للمجتمع.

 

خاتمة عامة: الخلاصات والتوصيات الاستراتيجية

تظهر القراءة التحليلية العميقة لبلاغ وزارة الداخلية وترتيبات استحقاق 23 شتنبر 2026 أن الدولة المغربية قد هيأت الأرضية القانونية والمؤسساتية والإجرائية لضمان سلامة وصدقية العملية الانتخابية تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس. غير أن الارتقاء بالتجربة الديمقراطية المغربية إلى مصاف الديمقراطيات العريقة يستدعي تحقيق العدالة الانتخابية الشاملة بمفهومها الواسع الذي يربط بين المواطنة الجغرافية والمواطنة السياسية الفاعلة.

التوصيات الاستراتيجية:

أولاً: مأسسة وتكريس العدالة الانتخابية:

ضمان التوزيع العادل لفرص التنافس الانتخابي بين مختلف المترشحين، ومحاربة شتى أشكال استغلال النفوذ الإداري أو الرمزي، مع تعزيز الرقابة اللصيقة على منصات التواصل الاجتماعي ومحاربة الأخبار الزائفة (Fake News) التي قد توجه سلوك الناخبين بشكل مضلل.

ثانياً: تفعيل التمثيلية السياسية لمغاربة العالم (مغاربة العالم):

تحقيقاً للمقتضيات الدستورية الصريحة (خاصة الفصول 16، 17، و18 من الدستور) التي تنص على ضرورة تمتع المغاربة المقيمين في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق الترشيح والتصويت.

ثالثاً: توصية خاصة بفتح فترة استثنائية للتسجيل:

إننا نوصي، في إطار هذا المسعى الوطني التشاركي، بضرورة فتح فترة استثنائية عاجلة ومخصصة حصراً لمغاربة العالم لتمكينهم من التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة وعبر القنصليات والمنصات الرقمية المتاحة. إن إتاحة هذه الفرصة الزمنية الاستثنائية ستمثل خطوة تاريخية لإدماج كفاءات وقدرات الجالية المغربية في تدبير الشأن الوطني العام، والمساهمة الفاعلة في صياغة مستقبل المغرب السياسي والاقتصادي.

إن النجاح الجماعي في كسب رهان استحقاقات 23 شتنبر 2026 سيشكل، دون شك، لبنة إضافية متينة في صرح البناء الديمقراطي التنموي الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس بنظرة متبصرة وأفق استراتيجي واعد.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.