<

بين محاولات الإقصاء ووفاء الفقراء: قراءة في مرحلة من تاريخ الطريقة القادرية البودشيشية

0

بين محاولات الإقصاء ووفاء الفقراء: قراءة في مرحلة من تاريخ الطريقة القادرية البودشيشية

 

عرفت الطريقة القادرية البودشيشية، خلال المرحلة التي أعقبت بروز مشيخة سيدي منير، نقاشًا واسعًا بين المنتسبين للطريقة القادرية البودشيشية حول طبيعة الأحداث التي رافقت تلك الفترة. ويرى عدد من أبناء الطريقة أن تلك المرحلة لم تكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل شهدت محاولات منظمة لإضعاف شرعية مشيخة سيدي منير، الذي كان أهل الله يلقبونه بـ”بشارة العارفين” منذ عهد سيدي الحاج العباس.

 

وبحسب هذه الرواية، فإن بعض الأشخاص الذين كانوا يبدون في العلن الاحترام والثناء على سيدي منير، كانوا في المقابل يعملون على تهيئة الظروف للانقلاب على مكانته داخل الطريقة، من خلال جملة من الممارسات التي اعتبرها الفقراء خروجًا عن الوصية التي تركها المشايخ.

 

ومن بين أبرز هذه الممارسات، وفق هذه الرواية، الوقوف في وجه كل مبادرة تهدف إلى خدمة الطريقة أو تنشيط مجالسها، والعمل على الحد من مشاركة الفقراء في المناسبات الكبرى، وعدم توفير وسائل النقل لزيارة سيدي حمزة، إضافة إلى إقصاء الفقراء المعروفين بولائهم لسيدي منير، والتقليل من شأن الليالي التي كان يدعون إليها، رغم اعتبارها امتدادًا للوصية وتجسيدًا للمحبة والوفاء.

 

كما يتحدث أصحاب هذه الرواية عن معارضة إحياء الليالي الكبرى وليالي الجهوية إذا لم يكن السيد معاد حاضرًا فيها، وإقصاء المسمعين الذين لا ينتمون إلى مجموعة السماع التي يشرف عليها، إلى جانب تهميش المدن الصغرى والقرى وحرمانها من الزيارات التفقدية، الأمر الذي انعكس، بحسب رأيهم، سلبًا على معنويات عدد من المريدين.

 

ويضيف أصحاب هذه القراءة أن مجلس الطريقة، المكوَّن من مقدمي الزوايا بالمغرب، تعرض للتهميش من طرف الابن الاصغر للشيخ سيدي جمال السيد معاد ، وأن قرارات مهمة اتُّخذت دون الرجوع إليه، كما لم يُشرك سيدي منير في عدد من ملفات التسيير، رغم المكانة التي كان يحظى بها لدى سيدي جمال، الذي أوصى في أكثر من مناسبة، وبشكل موثق صوتًا وصورة، بالتشاور معه في شؤون الطريقة.

 

وتشير الرواية نفسها إلى تنظيم ليالٍ خاصة خارج الزاوية بحضور السيد معاد ومجموعة محدودة من المقربين منه، وتنظيم جولات لجمع أموال الاكتتاب، إلى جانب أمسيات للسماع تحت اسم جمعية الجمال، اعتبرها بعض الفقراء محاولة لإبراز معاد القادري في صورة الشيخ المرتقب، من خلال طريقة حضوره وتصدره للمجالس.

 

كما يذهب أصحاب هذه الرواية إلى أن في عهد سيدي حمزة بعض المريدين القادمين من أوروبا شُجعوا على مخالفة توجيهات سيدي حمزة المتعلقة بزيارة سيدي جمال في مداغ، وعدم البقاء في النعمية، وهو ما رأوا فيه محاولة لإبعادهم عن سيدي منير، رغم مسؤوليته عن الطريقة خارج المغرب. ويضيفون أنه خلال فترة وجود سيدي جمال بالمستشفى، جرى توجيه عدد من الفقراء إلى قصر معاد بمدينة وجدة بدل التوجه إلى مداغ، وهو ما اعتبروه مؤشرًا آخر على محاولة إعادة تشكيل موازين التأثير داخل الطريقة.

 

غير أن أصحاب هذه الرواية يؤكدون أن تلك الجهود، مهما بلغت، لم تحقق أهدافها. فقد بقي مريدي ومريدات الطريقة، بحسب تعبيرهم، أوفياء لعهدهم، ثابتين على بيعتهم، صادقين في محبتهم، ومناصرين لشيخهم سيدي منير، معتبرين أن الوفاء للوصية كان أقوى من كل محاولات الإقصاء.

 

ويؤكدون أن عهد سيدي منير شهد نهضة جديدة في أنشطة الطريقة، حيث عادت الليالي الكبرى إلى الانتظام، وأُحييت أمسيات السماع والمديح بمشاركة فرق جهوية وأصوات من المريدين والمريدات، كما نُظمت تظاهرات دينية في مختلف المدن المغربية، وامتد نشاطها إلى عدد من الدول خارج المغرب.

 

كما بقيت الزوايا، بحسب هذه الرواية، عامرة بمجالس الذكر والتربية الروحية، وازدادت أعداد الزائرين المتوجهين إلى مداغ للقاء سيدي منير، في مشهد يراه أنصاره دليلًا على استمرار الالتفاف حوله وتجدد الثقة في قيادته.

 

وفي نظر أصحاب هذه القراءة، فإن حصيلة هذه المرحلة تؤكد أن قوة الطريقة لم تكن يومًا رهينة بالأشخاص، وإنما بصدق المريدين في الوفاء بالعهد، والمحافظة على مجالس الذكر، والالتزام بالوصايا التي أرساها مشايخ الطريقة. ويعتبرون أن الطريقة القادرية البودشيشية واصلت، في عهد سيدي منير، مسيرة الازدهار والانتشار، محافظةً على رسالتها في التربية الروحية، وخدمة الدين، وترسيخ قيم المحبة والإحسان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.